المشروع النهضوي
يخلط العامة بين النهضة والتحضر ظنا منهم أن كثرة الأضواء المبهرة وانتشار الحاسوبات الآلية واستعمالنا لها في بيوتنا ومكاتبنا ، وأيضا أن انتشار وسائل الرفاهية في بيوتنا وأعمالنا هي النهضة والتحضر ، ولكنني أستطيع أن أقول : إن التمدن الواهي في نسخ مظاهر الحضارة ليس هو الحضارة والنهضة ، فلكي نقول على أنفسنا إننا متحضرون لابد أن تكون أفكارنا متسقة مع حضارتنا الحديثة فإذا لم يتم هذا الاتساق لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر نهضتنا قد حصلت أو أن حضارتنا قد سايرت وقتها المعاش الآن . لذلك لابد وأن نعرف أن هذه الآلات التي بين أيدينا طالما أننا لم نشارك في اختراع فكرتها ، وتنفيذها بأيدينا فنحن مازلنا في أشد حالات التأخر ، لأننا نستورد آلات وليست حضارات ، وعلينا أن ننهض حق النهضة ، ولابد لأفكارنا أن تجوب عوالم رحبة كي تتم عملية النهضة الحقيقية ، فبدون أفكار حرة منطلقة لن تتم هذه الحضارة .
مشروع النهضة والغرب :
لقد أسرع مفكرونا في بدايات عصر النهضة تمثل الحضارة الأوربية وجعلها النموذج الأوحد لإنجاز عملية النهضة في مجتمعاتنا العربية ، ورغم أنني أؤمن بأن الحضارة الإنسانية أخلاط وأمشاج من الفكر والإبداع الإنساني إلا أنني أؤمن أيضا بتاريخية وجغرافية وخصوصية المكان ، وإذا رصدنا عصر بدايات النهضة الحديثة عندنا منذ أن حاولنا أن نعبر عثراتنا ، سنجد أن مفكرينا كانوا على هذه الشاكلة في بدايات القرن العشرين :-
أ- نموذج حاول نقل الأفكار الغربية كما هي انبهارا بها بسبب غياب نهضتنا ، والتأكد من تخلف مفكرينا عن مواصلة مشروع النهضة لذلك حاولوا نسخ أفكار الغرب إلينا وكانوا إما ليبراليين أو ديمقراطيين أو شيوعيين .
ب- نموذج حاول إبراز ما في الدين مع ما يتناسب من حضارة الغرب منادين بالإصلاح من خلال تفسير النصوص الدينية تفسيراً مطابقاً لما جاء من أفكار غربية ، فمنهم من رفع شعار الديمقراطية والرأسمالية والاشتراكية في الإسلام وكل منهم حاول إخضاع الآيات والأحاديث وأقوال وأفعال الصحابة على أنها تماثل المنهج الرأسمالي أو الاشتراكي .
ج- نموذج رفض بنوع من العنصرية والجمود كل ما جاء من الغرب بل وضع الغرب على النقيض منه دائما ، وكأننا في حالة صراع مع حضارة الغرب بصفتها سبقت حضارتنا في العصر الحديث ، وكشفت أوجه القصور في حضارتنا وفي نهضتنا ، وهذا الفصيل تمثل في الأصوليين ، والسلفيين الذين ينادون بترك كل ما هو غربي وحصر مشروعنا النهضوي في أفعال وتصرفات وأفكار سلفنا الصالح فقط .
ونتج عن تكالب مفكرينا على الحضارة الغربية على إنها النموذج والمخلص عدة إشكاليات منها :-
1- بعد تتبع النهضة الأوربية واستلهام إنجازاتها الفكرية رجعنا بعد قرنين من الزمان إلى نقطة الصفر وإلى نفس الأسئلة ، ومنها لماذا لم تتحقق النهضة لدينا ؟ وما هي معوقات هذه النهضة ؟
2- أصبح المصطلح الأوربي هو السائد في توصيف مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، على الرغم من أن هذه المصطلحات الأوربية ذاتها قد نجد بينها فوارق لدى بعض المفكرين الغربيين أنفسهم ، وقد تتجدد هذه المصطلحات ، ومازلنا نحن نجري وراء هذه المصطلحات دون تجديد وابتكار مصطلحات لصيقة بواقعنا من شأنها أن تقوم بمسايرتنا يمينا وشمالا نتفاعل معها ومع معطياتنا من خلال تاريخنا وجغرافيتنا التي لها بالضرورة ظروف مختلفة عن جغرافية وتاريخ الغرب .
3- بالغ البعض في السير وراء الحضارة الغربية محاولا تطبيقها كاستنساخ لها متناسيا جغرافيتنا المرتبطة بالضرورة بمجموع الحضارات التي ظهرت ورسخت في جغرافيتنا والتي مازالت مسيطرة على أفكارنا ومتناسياً أيضا أن هناك أفكاراً ونظريات قد هجرها الغرب نفسه بسبب فشلها وعدم اتساقها مع الواقع .
4- عندما تعامل العلمانيون – في بداية عصر النهضة - مع المشروع النهضوي تمثلوا المشروع النهضوي الغربي واضعين في الاعتبار تخلص أوربا من سلطة الكنيسة متناسين أن المسيحية دين روحي لم يطرح شريعة مثل الدين الإسلامي ، فكانت نقطة انطلاقهم مبنية على عدم فهم ظروف هذا الواقع الديني وسيطرته على عقول هذا المجتمع ، مما نتج عنه ردة معاكسة وعدم قبول كل ما هو علماني بل والتصدي له ولأفكاره حتى لو أُثبت صحة بعضها وتناغمها مع واقعنا .
5- غياب الفكر النهضوي العربي الخالص في ظل سيطرة مفكري السلطات وعلى رأسهم رجال الدين وعلمائه والجماعات المتأسلمة وفي المقابل والنقيض الطرح العلماني على النموذج الغربي مما أدى إلى صراع مدمر ومشوه بين الفكرين دون أن يكون هذا الصراع دائرا بين نقطتين يجب أن يلتقيا ولكن كلاً من الاتجاهين مُصِرا عند وضع الخطوط الأولى لإنجاز مشروعه النهضوي أن يتغافل الآخر بل يبتعد عن نقطة التلاقي مع الآخر .
من خلال ما طرحته أستنتج إلى طرح مشروع نهضوي يعتمد أولا على جغرافية المكان بما تلتصق بها من أفكار وتحليلات حتى التحليلات الطبقية التي هي بالضرورة تختلف عن التحليلات الأوربية فلدينا طبقات لها سمات تختلف عن سمات الطبقات الأوربية وإن كانت تدور تحت الاسم لنفس الطبقة الأوربية لكن هناك مميزات وفروق خاصة بين الطبقات عندنا مقارنة بالغرب سواء قبل الثورة الصناعية أو بعدها وهذا ما جعل كارل ماركس يخطئ في تقدير قيام الثورة العمالية فظن أن ألمانيا ستكون لها هذه الريادة ،ولكن خرجت هذه الثورة العمالية من قلب الإقطاع الروسي وقيام الثورة البلشفية ،وهذا إن دل رغم تتبع ماركس للمعايير العلمية لحركة التاريخ وتفسيره الجدلي إلا أنه تغافل خصوصية جغرافية المكان التي كانت هي الفارق بين نمطين من المجتمعات ، وجعلت النمط الروسي يسرع على خطا ثورة العمال نحو الاشتراكية عنه في ألمانيا .
لذلك أزعم أن نهضتنا التي نحلم بها لابد وأن تقوم على معايير مختلفة عما طُرح من تمسك بالنمط الغربي مطلقا أو التمسك بالسلف الصالح من تاريخنا العربي والإسلامي مطلقا ، ومن هنا علينا أولا كما يفعل الفلاح قبل أن يضع البذور الجديدة أن يحرث الأرض ولابد للحرث من آلات حادة غير عابئ بصرخات هذه الأرض لأنه لا ولن يسمع أنينها ، وهذا الحرث الذي يجب أن نقوم به نحن في مجال نهضتنا هو النقد ونعيد قراءة تاريخنا منذ أن نُقل إلينا إلى يومنا هذا ولا نخجل من عرض تقيحاته وخبائثه أمامنا ثم نقوم بالخطوة الثانية وهي إلقاء البذور وهذه الخطوة بعد أن نمحص هذه البذور ونجنب الفاسد منها جنبا أي علينا أن نصل إلى مجموعة من الأفكار الجديدة التي هي أمشاج من الفكر الديني التقدمي أو بالأحرى الدين الخالص – حتى لا يتم الاختلاف حول معنى التقدم في الفكر الديني – مختلطا بالفكر الإنساني عامة وبخاصة الفكر الحضاري الذي تتسم به جغرافيتنا محافظين في ذلك على لغتنا ومقوماتنا التاريخية التي تحفظ تميزنا الإنساني عن غيرنا ثم نتابع سقاية هذه البذور محاولين تخليص تربتها مما يضرها سواء ما يخرج من التربة نفسها كالحشرات والديدان أو ما يفد عليها من الخارج أثناء إلقاء البذور أو بسبب غير معروف وتخليص زرعنا من كل طفيل يلتصق به واضعين في الاعتبار عوامل التغيرات المناخية أي علينا أن نرعى هذا المشروع النهضوي من الأمراض التي تخرج منه وذلك بدوام النقد لفكرنا النهضوي الحديث ، أو نقد ما قد يكون دخيلا ولا يتناسب مع مجتمعاتنا مراعين ظروف التقدم والتغير الزمني لأن الزمن يطرح متغيرات على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،وكيف نكون جاهزين لأي متغير يظهر لنا سواء بتحليله ومعرفة كنهه ومدى تأثير هذا المتغير على مشروعنا النهضوي وهل هو متغير نحو التقدم ؟أم هو آفة التصقت بمشروعنا ؟ وهل يتم اجتثاثها أم معالجتها ؟ وذلك يتطلب منا الثقة بالنفس وثقتنا بأننا قادرون على القيام بذلك ، ثم يقظتنا الدائمة لأن أي مشروع نهضوي لكي يضمن النجاح لابد وأن يضع نصب عينيه أنه لم يكتمل بعد لأننا لو وصل بنا الشعور أننا أنجزنا مشروعنا النهضوي ما أكملناه مطلقا وذلك كما قلنا سالفاً أن سنة الخلق تقتضي الاستمرار في التقدم .
وعلى المفكرين السعي لوضع هذه المعايير التي تتناسب مع متغيرات عصرنا دون التحزب لجماعة سياسية أو تحزب لسلطة حتى يخرج مشروعنا نهضويا عاما مراعين في ذلك حقوق الأقليات والمواطنة والخبرات العالمية السياسية والفكرية والاجتماعية التي لا يجب أن نترك النافع منها وخاصة أن الإسلام دين تقدم وتفاعل مع الآخرين فعلى كل مفكر أن يضع مصلحة الأمة والغالبية العظمى من سكان هذه الأمة والمقصود بالغالبية العظمى هنا الطبقات الاجتماعية واضعين حقوق الإنسان التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة - وخاصة أنها لا تتعارض مع ديننا الحنيف - نبراسا وقانونا من قوانينا ويمكن لنا نقد عيوبها وإضافة بنود لها على أن يكون ذلك ليس لصالح أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات حتى تتحقق وحدة الجنس البشري التي دعا إليها الإسلام ،وعلى أن نختار أفضل النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مع تعديلها وإضافة لمسات واقعنا الجغرافي والتاريخي عليها ،والتي تحمي الغالبية العظمى من المجتمع من الفقر والمرض والجهل ومن استغلال المستغلين ومن التلاعب بمقدرات الأمة ، وأن نختار النظام السياسي الذي يضمن لنا التعبير عن كل طبقات الشعب وشرائحه الاجتماعية وأن نخلص دساتيرنا من كل قانون يحدد ويكبل الحريات الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية ، وأن تكون مسألة تداول السلطة هي الأساس في فكرنا ، وأن يتم تفعيل دور المجالس والإدارات المحلية بحيث تكون سلطة موازية لسلطة الدولة ، وان يتم كل شئ في بلادنا بالانتخاب الحر والمباشر ، وتشديد العقوبات بكل من يتلاعب بالمال العام أو يكدس الثروات مستغلا موقعه الوظيفي أو موقعه السياسي ويقدم للمحاكمة بتهمة خيانة الوطن والمواطنين ، أن يشرف القضاء إشرافا كاملا على كل انتخابات ، أن تأخذ الصحافة حرياتها بعيدا عن السب والتجريح ، أن تلتزم أجهزة الأمن بالحياد التام وعدم تدخلها لصالح حزب دون آخر أو شخص دون آخر .
علينا أن نفكر في مشروعنا النهضوي من الآن على أن يجتمع المخلصون لهذا الوطن من القادرين على صياغة القوانين لوضع دستور مواز للدستور الحالي متلافيا عيوبه ، ووضع قوانين للحكم المحلي تجعل منه حكما شعبيا ديموقراطيا متجنبا كل عيوب قوانين الحكم المحلي الآن ، وضع حماية مطلقة للخدمات التي تقدم للشعب ومنع بيع هذه الخدمات تحت أي ظرف من الظروف .
ألا يكون هناك سلطة للمرجعية الدينية في الحكم ، بل تكون هناك سلطة شعبية لأنها هي التي ستكون المرجعية الدينية والعلمية والسياسية ، وذلك لأن الشعب العربي غير جاهل بأمور دينه ولا أمور دنياه ولو أن الشعب العربي يحكم نفسه منذ اللحظات الأولى لقيام دولته ونهضته ما تخلف هذا التخلف ، وحتى لا يستغل الحكام بطانة السوء من علماء الدين لكي يحللوا أو يحرموا طبقا لمصلحتهم فيقع الضرر مضاعفا على المجتمع وعلى الدين نفسه .
هذه هي الملامح العامة التي أراها لبداية مشروع نهضوي يأخذ الأمة من كبوتها وعلى الساسة والمفكرين والاجتماعيين من علمائنا أن يسرعوا في تقديم مشروع متكامل يتم الاقتراع عليه ، وليكن هو مشروع نضال هذه الأمة ضد أي كبت واستغلال وانتهاك من حرية الإنسان ، وآدميته .
خالد الصاوي

























09 مارس, 2008 05:14 م