-الحياة المصرية ونشأة الإخوان المسلمين
بالنسبة لنشأة جماعة الإخوان المسلمين ، فهي تتساوى لو قارنا بين نشأتهم وبين تجديد وتوسيع نشاطهم في الوقت الراهن فهم ينتشرون دائما في ظل ظروف اقتصادية مهترئة ، وفي ظل صراع طبقي وشيك الحدوث بين الرأسمالية وبين الطبقات والشرائح المتضررة من تفشي رأس المال في بلادنا وخاصة الرأسمال الأجنبي ويقول سامح نجيب عن نشأة الإخوان المسلمين في بحثه الذي أصدره بعنوان "الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية "
فيقول : " كانت هناك قيوداً هائلة تعرقل التطور الرأسمالي في مصر"
إذن كما يوضح الرأسمالية المصرية كانت في أزمة
" كانت مصر بلدا زراعيا يعتمد اقتصادها أساسا على إنتاج وتصدير القطن ويعيش الغالبية العظمى من سكانها في الريف "
إذن الطبقة الأكثر وضوحا والأكثر غالبية هم طبقة الفلاحين في ذلك الوقت في مصر، وحدثت كارثة القطن العالمية بسبب تعثر صناعة النسيج التي واجهتها بريطانيا مما أدى إلى انخفاض سعر القطن المصري وبيع صغار الملاك الأراضي الزراعية إلى البنوك والمرابين مما زاد من وجود رأس المال الأجنبي ، ونتج عن ذلك طرد الفلاحين من الأرض سواء حدث الطرد على يد كبار ملاك الأراضي المصريين أو من الأجانب .
وهنا نتوقف قليلا لقد بدأ الصراع الطبقي بين الرأسمالية الإقطاعية المصرية ورأس المال الأجنبي من جهة ،وبين طبقة الفلاحين الغير منظمة والعفوية التي بدأت تعبر عن الصراع بينها وبين من يحرمونهم حق الحياة من جهة أخرى ، فيقول سامح نجيب " وقد انعكست تلك الأوضاع بالطبع على الصراع الطبقي في الريف في شكل انفجارات عفوية وهجمات فردية حريق 5760 مخزن عام 1928/1929 و7820 مخزن عام 1931 . ووصل عدد العمد الذين تم قتلهم في الفترة ما بين 1931إلى 1933ل 2200 عمدة "
وأمام هذا التقرير المعتمد على الأرقام لابد وأن تكون لنا وقفة نقرأ من خلاله الآتي :-
أ- الصراع الطبقي هنا غير منظم بل عفوي وعفويته هذه تعد كارثة أكبر بالنسبة للقصر ، ولكبار الملاك للأراضي سواء المصريين أو الأجانب ، وللاستعمار الإنجليزي ، حيث لا يمكن السيطرة على هذه الحركات العفوية أمنيا لأنها حلقات منفصلة غير متشابكة .
ب- بالإضافة للأضرار الاقتصادية المباشرة من حرق المخازن ونهبها ، وذلك يؤكد العدائية من جانب الفلاحين للطبقات المستغلة بالإضافة لعداء الفلاحين أيضا للعمد لكونهم القائمين على السلطة في الريف ، ولكونهم المتحيزين لصالح الطبقات المُستغِلة .
ويقول سامح نجيب :"كان عذاب الفلاحين الرئيسي له مصدران : الضرائب والديون "
ويقول :" لم يكن الفلاحون الفقراء وحدهم ضحايا تلك التطورات فقد كان لها تأثير مدمر لها على الطبقة الوسطى الريفية"
وهنا يجب أن أوضح وأضيف أن هناك طبقة وسطى من التجار والموظفين والطلاب مرتبطة بالطبقة الوسطى التي تتسم بالفلاحة وذلك معناه أن هناك قطاعات عريضة من أبناء المجتمع المصري بدأت تتأثر بما يحدث في الريف وبدأ ذلك يؤرق السلطة والقصر في مصر، وخوفا من انتشار عدوى الحركات العفوية كان لابد من حلول مُسكّنة فنشطت بعض الجمعيات الخيرية وبعض الجمعيات الدينية محاولة مساعدة الفقراء تسكينا للوضع القائم ويقول سامح نجيب : " فقد امتلأت مصرفي ذلك الوقت بالعديد من الجمعيات الدينية المحافظة والخيرية المرتبطة بالمساجد في القرى والأحياء الفقيرة "
وبالتأكيد دور الجمعيات الأهلية والخيرية دور خافت لا يستطيع أن يخفف من حدة هذا العنف المتأجج في الريف المصري ، ولا يستطيع إطعام البطون الخاوية ، ولا يستطيع أن يعوض الفلاحين عن أراضيهم ، ولن ينخرط وسط الفقراء ،
ويقول أيضاً :" كانت السيطرة الأجنبية على كافة القطاعات الاقتصادية الحديثة إحدى الخصوصيات الأساسية للاقتصاد المصري حتى الأربعينيات .....
رأس المال الأجنبي كان يتحكم بشكل مباشر في كافة مجالات النقل والكهرباء والبنوك والصناعة والرهونات الزراعية كما أنه كان يتسم بدرجة عالية من الترقي والارتباط بالمراكز الرأسمالية المتقدمة أما رأس المصري فكان من جانب مجرد شريك صغير أو وكيل لرأس المال الأجنبي المهيمن ومن جانب آخر أصبح مرتبطا عضويا بكبار ملاك الأرض "
ونتيجة لذلك بدأت الطبقة العاملة في التبلور والظهور على الساحة معلنة عن وجودها سواء في ثورة 1919 " وخلال النصف الأول من العشرينات عبر موجه من الإضرابات الكبرى قادها عمال الترام والسكك الحديدية وعمال شركة قناة السويس ."
ورغم ما تعانيه الطبقة المتوسطة من عدة مشكلات سواءعلى المستوى الاقتصادي ، أو على المستوى الثقافي والفكري إلا إنها غالبا تأخذ موقفا محايدا في الصراع الطبقي ، ولكنهم بطبيعة تصدرهم للمتعلمين وكونهم من الحاصلين على قدر من التعليم هيأهم ذلك أن يكونوا مفرخة للكوادر السياسية المختلفة الاتجاهات والمشارب ولكن يميلون غالباً إلى الموضوعات الوطنية العامة مثل قضية الاستقلال والدستور وغيرها من القضايا الوطنية العامة و هي محور عملهم السياسي وبصفتهم من المتعلمين يشعرون بالفرق التقني بينهم وبين المجتمعات المتقدمة والفرق على مستوى السلوكيات ، فهذا دائما يجعلهم ساخطين على أوضاعهم الاجتماعية غالبا فمنهم من يصبح كادرا يساريا ومنهم من يصبح كادرا يمينيا ومنهم من يمسك بتلابيب السلطة في أي صورة من صورها كانت .
وبعد هذا العنف المستشري في الريف والغير منظم والذي يهدد بشكل مباشر البرجوازية الإقطاعية وأتباعها والذي يهدد هيبة السلطة المتمثلة في العمد والتي وجدناها على مستوى الخيال والقصص الشعبي تصور هؤلاء العفويين بالرمز والبطولة كما فعلوا مع شخصية أدهم الشرقاوي لمجرد أنه ينتقم من رموز الاستغلال في عصره ، بالإضافة إلى وجود طبقة العمال رغم ضعفها لكنها بدأت في التشكل والتبلور ووجود مفرخة الكوادر السياسية الوطنية من الطبقات المتوسطة التي تحلم بالحرية والخلاص من الاستعمار وعجز حكومة اليمين المتمثلة في حزب الوفد آنذاك عن تحقيق وعودها وأحلام البسطاء والفقراء في مصر على اختلاف طبقاتهم وشرائحهم الاقتصادية ، بالإضافة إلى انهيار قيم وتقاليد المجتمع الشرقي مما زاد سخط الجماهير على الوضع الراهن ،بالإضافة إلى الصراع الذي دار بين التنويريين وبين الأصوليين من علماء المسلمين وبين أصحاب الأفكار الوافدة من الغرب التي تتسم بالاستنساخ الغربي الخالص ،.
هذا هو المناخ الذي يمكن لأي جماعة سياسية تمتلك قدرات دعائية ومساندة من القصر والبرجوازية ومن الأجانب أن تتوغل وتنتشر في أوساط المجتمع المصري وخاصة بين المفرخة وهي الطبقة الوسطى من المتعلمين الذين لا يعتدون على الملكية الخاصة بل ويعتبرون أن الاعتداء عليها جور وظلم ، وأنسب ما يمكن أن يظهر في تلك الحقبة جماعة تقوم على مساعدة الفقراء في الأساس لتميع الصراع الطبقي وتقوم على الدعاية الدينية لجذب الجماهيير، ويكون في إستراتجيتها الوصول للحكم والوقوف مع القصر ضد أعدائه وتبرير ذلك دينيا على أن تكون هذه الجماعة في تكوينها الأول من الطبقة المتوسطة حتى يمكن كسرها في أي وقت تشاء السلطة القائمة وعلى أن تكون أيضا بلا حماية طبقية ولديها النزوع للثراء والامتلاك ولم يكن هناك أفضل من الطبقة المتوسطة ليتم معها إنتاج هذا الفصيل السياسي الذي يمتلك الحجة والبراهين الدينية ولننظر إلى قول حسن البنا نفسه :" [1]وعقب الحرب الماضية (1914-1918 ) وفي هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة ، اشتد تيار موجة التحلل في النفوس ، وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي ، ثم في السلوك باسم التحرر الشخصي ، فكانت موجة إلحاد ، وإباحية قوية جارفة طاغية لا يثبت شئ تساعد عليه الظروف والحوادث" .
ولنا أن نحلل خطاب الأستاذ البنا لنعرف موقعه من الطبقات في مصر وبأي المصالح يضر وعلى أيها يحافظ
أولا :- ما وصفه البنا من تحلل في النفوس وانعدام الأخلاق والموجة الإلحادية في القاهرة أي ليس في مصر كلها ، ولنا أن نسأل في أي الطبقات انتشر الفساد والانحلال ؟! هل في طبقة العمال والفلاحين وصغار الموظفين والحرفيين والمعلمين وغيرهم من المهنيين ؟! أم في الطبقة التي تسمى بالأرستقراطية ؟! .
ثانيا :- البنا يوضح ويعلن موقفه من التحرر العقلي ومن تحرر الأفكار في قوله " باسم التحرر العقلي " وهنا البنا يرجع الفساد والإلحاد التي انتشرت في القاهرة إلى التحرر العقلي إذن فهو يرفض هذا التحرر العقلي الذي يؤدي إلى تطوير الأمم ويستنهض أبناءها نحو التقدم ، وهذا التحرر العقلي الذي يرفضه البنا هو الذي يحرر الأمم من الاستعمار ومن سيطرة المستبدين
ومع ذلك لنر من يكون الخاسر من موجة التحرر العقلي الذي سيجعل روح النقد والرفض للواقع تنمى في النفوس ، فالمضار هنا القصر وأعوانه ، لأن انتشار التعقل والتفكير والحرية سوف يؤدي في النهاية إلى الوقوف ضد سياسات القصر ، وليس القصر وحده بل أيضا البرجوازية الزراعية والبرجوازية الصناعية لأن التفكير وحريته والعقل وحريته سوف يجعلان الفلاح والعامل وغيرهم من الطبقات والشرائح الاجتماعية المضارة من هذا الوضع الاقتصادي يفكرون في استغلال هذه الطبقات لهم ، وعندما تتحرر عقولهم فسوف يؤدي ذلك بالضرورة إلى رفضهم للبرجوازية المستغلة ولسياسات القصر المنحازة ويحدث الصراع الطبقي .
إذن هذه المقولة رغم بريقها الديني لم تخدم الشعب بل خدمت القصر،
أما من الناحية الاقتصادية فقد ركز الإخوان المتأسلمون على قضية الربا رغم وضوحها شرعا ولا لبس فيها في الكتاب والسنة ورغم ذلك كانت قضيتهم ولكن هل قدموا بدائل للفلاح المصري ؟
وهل ناضلوا من أجل هذه البدائل ؟
وهل سيمتنع المحتاج عن الاقتراض من البنوك أو من المرابين ؟!
ومن وجهة نظري هي قضية الكلام فيها لا يسمن ولا يغني من جوع طالما أن أسباب الفقر لم تبتر من المجتمع ، وأعتقد أن منع الناس عن الاقتراض من البنوك بالشكل الربوي لن يضر الحكومات ولا المستغلين في شئ ، فهذه القضية فد بالغوا ومازالوا في طرحها.
وقد أشار سامح نجيب إلى نقطة مهمة في النظرة الاقتصادية لجماعة الإخوان المتأسلمين وهي أنهم رفضوا كل هيمنة أجنبية على اقتصادياتنا وخاصة في الوقت الراهن يرفضون الهيمنة الأمريكية ورغم ذلك يؤمنون تمام الإيمان بفلسفتهم الاقتصادية من خصخصة وتحرير التجارة ، وهذا بالطبع يدعو للعجب كيف يرفضون الهيمنة وبنفس الفكر الاقتصادي يتحركون ؟!
ولي أن أسأل هل يستطيع الإخوان المسلمون في حال وصولهم للسلطة أن يتخلصوا من هذه الهيمنة وهم بنفس الفكر الاقتصادي الأمريكي ؟!
ألا تدفعهم هذه الرؤية الاقتصادية رغما عنهم للوقوع فريسة سهلة للإمبريالية العالمية ؟!
هذه هي الظروف الاقتصادية في الواقع المصري قبل نشأة هذه الجماعة ، وها هو القصر والاقطاع والإنجليز يفكر كل منهم في الخلاص من هذه الأزمات ، وأسهل الحلول المسكنات وأفضل مسكن ما لا يؤثر على اتزان الحكم وإن هاجم كل الحركات الثائرة في المجتمع لذلك كان أنسب الحلول ما طرحته هذه الجماعة وكمثيلاتها من الحركات التي تبدأ تحركاتها من خلال الطبقة المتوسطة فهي تبحث عن من يساندونها من أصحاب النفوذ والمال وبذلك رأى القصر والإنجليز والإقطاع صيدهم ،وهذا ما أثبتته التجربة التي انتهت بحصار البنا ثم اغتياله بعد أن طالت أظافره وأصبح خطرا على من ساندوه وساندهم .
وهنا أتعرض إلى مصادر التبرعات الأولى التي حصل عليها البنا وجماعته لأن في التعريف بهذه المصادر ما يؤكد احتياج الرأسمالية الأجنبية والمصرية إلى وجود مثل هذه الجماعة الدينية التي تتسم بالسلفية ، وفي نفس الوقت تحتاج إلى من يقويها ويدعمها ، ولأن الشروط التي ذكرتها سابقا في الجماعة التي يجب أن تخرج للناس لتهدئس الأوضاع وتسكن الشعب ،ويستخدمها القصر في محاربة خصومه ولأن هؤلاء الرأسماليين هم الذين موَّلوا الجماعة في بدايات تكوينها .
([2] 1- شركة قناة السويس الاستعمارية ( الفرنسية ) قدمت له أول دعم مالي بمبلغ 500 آنذاك مبلغ كبير جدا
2- الطاغية إسماعيل صدقي قدم له عونا ماديا ومعنويا كبيرا في بداية نشأة الجماعة .
3- على ماهر داهية القصر والموصوم بعلاقات مريبة خارجية كان الصديق الحميم للجماعة .
هؤلاء هم من قدموا يد العون لجماعة الإخوان المسلمين في نشأتهم ، وعلينا أن نربط بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والغليان داخل طبقات الشعب المصري وأغلب طوائفه وحيرة القصر والإنجليز في التعامل مع كل هذه المشكلات ، وبين ظهور هذه الجماعة وما تقدمه تلك الهيئات والأشخاص لهذه الجماعة . أليس هذا لو تجمع في ذهن أي باحث أو قارئ يجعله يضع الكثير من علامات الاستفهام والمصحوبة بعلامات التعجب حول نشأة هذه الجماعة ؟! وحول أهدافها ؟! ويجعل الشك والريبة يتملكنا ونحن نقرأ هذا التاريخ الخاص بهم ؟!.
وسيقول البعض إن نظرتي للتاريخ نظرة تآمرية ، وأرد قائلا ومنذ متى لم يكن الاستعمار وأذنابه غير تآمريين وغير مستغليين كل التناقضات الموجودة في بلادنا .
ومما سبق طرحه من أحداث سياسية واقتصادية ومن ربط كل ما سبق يمكننا أن نقول أن أهم ما يميز هذه الجماعة كي تصل للحكم أن تستخدم المبدأ الميكيافلي البرجماتي الغاية تبرر الوسيلة.
وتمثل هذا المنهج ( الغاية تبرر الوسيلة ) في تصرفات وتصريحات هذه الجماعة متخذين عدة وسائل للوصول إلى أهدافهم وهي :-
أ- الوقوف مع من يناصر الجماعة ويدعمهم ماديا أو سياسيا أي إن كانت هويته .
ب - العنف وسيلة للحفاظ على الجماعة .
ج - التعاون مع البوليس والتجسس والإبلاغ على التنظيمات الأخرى .
د- تباين واختلاف المواقف في الأمر الواحد .



















07 فبراير, 2008 06:43 ص