يقول عبد الله القصيمي
"إن الناس لا يؤمنون بالأفضل والأخلاق، بل بالأكثر صخبًا وتجاوبًا مع الأعصاب المتعبة."
تميز الخطاب الديني الموجه للناس بالتعميم لا التخصيص وذلك واضح وجلي في الشعار الذي ترفعه الجماعات المتأسلمة( الإسلام هو الحل ) هذا الشعار الذي يجذب تعاطف الملايين من المواطنين ،ورغم روعة هذا الشعار نفسه إلا إنه يحمل وبالاً على المواطن لأنه بذلك يجري وراء شعار عام ليس له تفصيلات ، فكيف يكون الإسلام هو الحل ؟ هذا السؤال المطروح ما يجب أن تقدم الإجابة عليه هذه الجماعات بدلاً من ترك المواطن يعتمد عليه دون تفصيلات تبين وجهة نظر هذه الجماعات في القضايا المختلفة التي تهم الحياة اليومية للمواطنين ولأن هذا الشعار جذب تعاطف المواطنين إليهم لم يغيروه على مدار عدة عقود من الزمن لدرجة أنه فقد بريقه عند الكثير من الذين يفكرون وعند أنصاف المثقفين وهذه العبارات التعميمية إنما تدل على عدم وجود برنامج إصلاحي يهم غالبية الجماهير وخاصة الطبقات الدنيا لأن المشاركين في العمل السياسي والأحزاب السياسية يبنون برامجهم على أساس تحيزهم فهل يكون تحيزهم لصالح الغالبية العظمى من الشعب ومن الفقراء والكادحين أم لصالح الطبقات الغنية والمستثمرين وتعميم الشعارات والخطاب الديني التعميمي إنما يخرج هؤلاء المتأسلمون من مأزق كشف انتماءاتهم للطبقات العليا في المجتمع واضعين فكر اليد العليا أساس لحل ولجذب تعاطف الجماهير وتوضيح هذه النقطة نراه أمامنا في الشارع المصري يقوم بعض جماعات التأسلم بزيارات منزلية لبعض الفقراء وتقديم يد المساعدة إليهم بغرض جذب الجماهير وخاصة عند صناديق الاقتراع وبذلك يتعود المواطن على مد يده لغيره بدلا من أن يطالب حكومته بكفالته بصفته مواطن وضحية لقوانين هذه الحكومات لذلك أعتبر أن مثل هذه الأعمال التي تتم إنما هي نوع من أنواع المخدر لهذا الشعب وستظل هذه الأعمال ( الكفالة ) للفقراء هي البديل الوحيد أمام هذه الجماعات المتأسلمة إن وصلت للسلطة دون منع منابع الفقر من أصولها ودون سن قوانين ترفع من قدر هؤلاء الفقراء بل سيسعون إلى جعل هؤلاء الفقراء يسعون إليهم بشكل شخصي بسبب أنهم قد عودوا الناس على المصلحة المباشرة والشخصية منهم وعودوهم أيضا على الاتكالية ومد اليد وعندما ظهر برنامج الإخوان المسلمين ظهر تحيزه لرجال الأعمال والاقتصاد على النهج الأمريكي .
وهذا التعميم الذي تلجأ إليه هذه الجماعات المتأسلمة إنما يكون منهج قيادة دائما وهذا التعميم يجعلنا نسأل سؤالاً آخرأي إسلام يقصدون ؟ هل هو إسلام أهل السنة أم الشيعة ؟ هل هو إسلام الإخوان أم الجهاد ؟ هل هو إسلام السلفيين أم التبليغ ؟ هل هو إسلام منكري السنة ( القرآنيين ) أم إسلام أهل السنة ؟ هل هو الإسلام الذي ساوى بين المهاجرين والأنصار في بداية استقبال أهل يثرب للمهاجرين ؟ أم هو إسلام تحريم عمل المرأة وتحليل السمسرة والمضاربة وبيع القطاع العام وبيع البنوك ؟ أم هو إسلام التناحر والفرقة ؟ .
أم هو إسلام وطريقة عثمان بن عفان التي أدت للثورة عليه واستشهاده ؟! أم هو إسلام وطريقة معاوية بن أبي سفيان والحكم الوراثي واضطهاد الشيعة وبلاد الحجاز ؟! أم هو إسلام عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وعدليهما ؟!
ومن المفترض على أي جماعة قبل وضع الشعار أن يكون لها خطة أو منهج أو رؤية شاملة لتنفيذ هذا الشعار ،
ومن الملاحظ أن سمة التعميم هي التي جعلت هذه الجماعات المتأسلمة لم تأخذ موقفا معاديا لقرارات الدولة لبيع القطاع العام وبيع البنوك والشركات المصرية بل هذه الجماعات هي من أتى بتجار العملة وصانعي الفساد ومحتكري الأسواق تحت مسمى الاقتصاد الإسلامي وسرعان ما انكشف مخططهم ، وكم من بيوت نالتها المصائب تحت هذا الشعار وكلنا لم ينس هذه الكارثة كل ذلك إنما تم تحت تعميم الخطاب والشعارات لهذه الجماعات وتناولنا هنا شعار الإسلام هو الحل وشعار الاقتصاد الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر.
وأيضا يلجأ المتأسلمون المتحزبون إلى التعميم في الخطاب الديني الصادر منهم لمناورة السلطات والحكومات وخاصة في هذه الأمور الاقتصادية والاجتماعية وكأن لسان حالهم يقول للحكومات نحن لا نعرقل قراراتكم ولا نعرقل مخططاتكم في مقابل بعض السماح لنا بحرية في بناء تنظيماتنا بل يمكن لنا المساهمة في مشروعاتكم وقوانينكم بل نساعد على تمريرها على الناس في مقابل أن نكون شركاء في الكعكة وأن نحظى بنصيبنا منها ،والدليل على ذلك لم تخض الجماعات المتأسلمة السياسية أي معركة جماهيرية ضد السلطة ، فلقد بيع القطاع العام وتباع الآن البنوك ويتم بيع قطاعات اقتصادية هامة ومع ذلك لم يتحرك ساكن واحد لهذه الجماعات ولم تدافع عن مقدرات هذه الأمة بل هم مع البيع بل سعداء به وقد يكون خلافهم مع السلطة على الطريقة التي يباع بها ، أما فكرة البيع من أساسها تروق لهم وهم على استعداد تام لو تركت لهم الحكومات فرصة شراء هذه القطاعات لاستولوا عليها رغبة منهم في الإمساك بكل مقاليد الأمور وخاصة الاقتصاد تحت مزاعم الاقتصاد الإسلامي ، ولنلاحظ أيضا أن هناك العديد من الإضرابات و الاعتصامات العمالية التي تمت احتجاجا على الظلم والغبن الواقع على العمال ومع ذلك لم يتحركوا لمناصرة العمال والوقوف مع قضاياهم ، كل ذلك يبين موقفهم من القضايا المصيرية التي تمر بها الأمة ، وإنما يتخذون هذا التعميم كمهرب ذكي من افتضاح أمرهم ولتجييش الناس حولهم بهذه المقولات التعميمية ، ولنلاحظ أن الناس بدأوا يكتشفونهم بسبب عدم تحيزهم للقضايا الجماهيرية ، وعلينا أن نرفض هذا التعميم في خطابهم ونلزمهم أن يقدموا للجمهور برنامجا تاما يوضحون فيه كيفية القضاء على البطالة وغيرها من قضايا الواقع المعاش وأيضا عن وضعية المرأة بمقولات محددة بعيدة عن العمومية والعنونة التي تفتقر إلى التوضيح وأيضا نسألهم عن وضعية الأقليات في مجتمعنا المصري وكيف سيمارسون حقوق المواطنة ؟وهل حقوق المواطنة جزئية أم حقوق كاملة ؟ ونسألهم عن إشكالية الديمقراطية وهل هم مع التعددية الحزبية أم مع نظام الحزب الواحد ؟ وهل لديهم بدائل تشريعية عن كل القوانين التي تقيد الحريات؟ وهل سيسمحون للعقل المفكر بالتفكير فيما يخالفهم ؟ هناك كثير من الوضعيات والإشكاليات يجب على هذه الجماعات أن توضح موقفها منها لجمهور الشعب المصري والعربي بعيدا كما قلت وأكرر عن العبارات الفضفاضة جميلة الوقع قليلة الفائدة التي تتسم بالعمومية والتعميم ، وعلى الشعب نفسه أن يكون أكثر وعيا مطالبا كل القوى السياسية بتوضيح خطاباتهم ومقولاتهم وتلزمهم بها حال وصول أي منها إلى السلطة أو حال استمرار أي منها في السلطة وهذا بالنسبة للأحزاب التي حصلت على السلطة ولا تسمح لغيرها بتداولها معها مستخدمة التزوير والقمع وشراء الكتَّاب والرجال .
واتضح من برنامج الإخوان المسلمين أن دعوى المواطنة التي يطرحونها بشكلها المغلوط والمنقوص لا تحقق الطموح الديموقراطي لشعوبنا العربية حيث أنهم يحرمون أهل الذمة من الوصول إلى منصب الرئاسة وكذلك المرأة مواطنتها منقوصة في برنامجهم.
















18 يناير, 2008 04:21 م