لا إكراه في الدين
النتيجة الحتمية التي يفرضها الإيمان على الجميع الاعتراف بسلطان العقل البشري وتقديره ، وأن نعرف أن من الدين أن يأخذ العقل حريته الفكرية والإسلام دين حرية العقائد الفكرية حيث يقول تعالى" لا إكراه في الدين "
والمصدر إكراه من الفعل أكره أي أجبر فقد نفى الله عز وجل الإكراه تماما في الدين مستخدما لا النافية للجنس التي تنفي خبرها وهو (في الدين )عن كل أفراد اسمها وهو( الإكراه) بكل أصنافه ، ومما نستنتجه أن الدين لا علاقة له طبقا لكلام المولى عز وجل بعملية الإكراه مطلقا، فإن تم الإكراه فإنما يكون ذلك من القائمين على الدين من البشر والدين برئ من عملية الإكراه هذه ، ومن يحاول إكراه الناس على الدين فهو يتخذ فعلا معاديا للدين نفسه ،
أولا : لكونه مخالفا لما ورد في الآية الكريمة ونفي الإكراه عن الدين .
ثانيا : لكون من يدخل أو يبقى في الدين مُكرَها سيكون معاديا للدين في الخفاء ويحاول نتيجة للقهر أن يكون قوة مدمرة ضد الدين نفسه ونحن في هذه الحالة نكون أكثر اطمئنانا له بصفته واحدا مما يدينون بديننا وهذا يعطيه حرية الحركة وبالتالي التغافل عنه وعن أفعاله التخريبية .
ثالثا : أن ذلك يتنافى مع خلق الله للإنسان الذي جبله على عقل مفكر له معطياته الخاصة به وعقل الإنسان ليس نسخا مكررة بل لكل إنسان معطياته العقلية الخاصة به والمولى عز وجل غفر لآدم بحثه عن المعرفة والعلم في جنته وأنزله للمناخ المناسب لتكوينه وهو الأرض لأنها متسع لهذا العقل البشري فكيف نحكم على عقول الناس ونقيدها رغم أن المولى عز وجل حررها من ذلك .
وقد منح الله الإنسان الحرية المطلقة في التفكير والسعي في الأرض وفي السياحة من أجل الرزق ، وأعطاه الحرية المطلقة في كل تفكير وسعي في هذه الدنيا فهو ليس خاضعا إلا لسلطان عقله سواء كان مؤمنا فهو يتبع سلطان عقله الذي أنعم الله عليه بالإيمان ، أو كان غير مؤمن فهو أيضا يتبع سلطان عقله ، فالمؤمن والملحد يتبعان سلطان عقليهما لذلك قال تعالى
" ما على الرسول إلا البلاغ المبين "
ففعل الرسول في الآية الكريمة يقتصر على البلاغ الواضح الجلي ، وفي أسلوب القصر المعتمد على النفي والاستثناء تأكيد لا يقبل الشك على اقتصار وظيفة الرسول على البلاغ المبين وقوله تعالى :"إنك لا تكره الناس "الخطاب موجه لأعلى سلطة دينية عند المسلمين وهو النبي صلى الله عليه وسلم وينفي عنه صفة وفعل الإكراه للناس فما بالك بمن يكون تابعا لهذا النبي فهل يمتلك صفة الإكراه هذه ؟!. وقوله تعالى "إنك لا تهدي من أحببت "والنفي أيضا هنا يوضح أن النبي لا سلطان له في هداية الناس بل الله عز وجل هو الذي يهدي لأنه هو وحده الذي خلق العقل الإنساني وهو من يعرف تفكيره واتجاه هذا التفكير ويعلم عز وجل من سيؤهله عقله ومن لا يؤهله عقله لعملية الإيمان ، فهو عز وجل إذن الذي يملك الهداية وعدمها للبشر وليس النبي" لكن الله يهدي من يشاء ".
وقد وضح القرآن الكريم في أكثر من آية أنه دين السلم والسلام ، وأنه دين الدفاع وليس الهجوم ، الدفاع عن نفسه وليس الهجوم على المغايرين له .
قال تعالى :
( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) ( الحجرات 13 )
قال تعالى :
" ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) (البقرة 190 )
قال تعالى :
﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة:8
وقال تعالى:
﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:46)،
ويقول الأستاذ حسن البنا :"فإن أبى الناس إلا أن يفترقوا ويختلفوا ويحتكموا إلى أهوائهم باسم الدين فإن الإسلام ونبي الإسلام وشريعة الإسلام الإنسانية العامة منهم براء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام:159)"
وقال تعالى :
"فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" ( الغاشية 22،21 )
وكما قلت سالفا أنه لا سلطان على الناس حتى لو لأعلى سلطة دينية عند المسلمين وهو النبي صلى الله عليه وسلم فوظيفته صلى الله عليه وسلم تقتصر على التذكير فقط واستخدام (إنما) هنا وهي وسيلة من وسائل القصر والتخصيص فالتخصيص هنا يقصر للنبي صلى الله عليه وسلم وظيفة الذكر فقط ، ثم يقول عز وجل :
( لست عليهم بمسيطر ) والتأكيد هنا على نفي السيطرة من النبي صلى الله عليه وسلم على الناس مستخدما جل وعلا (الباء ) حرف الجر الزائد للتوكيد
والإسلام ضد التعصب والعصبية ويقول صلى الله عليه وسلم:"ليسَ منَّا مَن دَعَا إلى عَصَبيَّةٍ، وليسَ مِنَّا مَن قَاتَلَ عَلَى عصَبِيَّةٍ، وليسَ مِنَّا مَن مَات عَلَى عَصَبيَّةٍ"(رواه أبو داود(.
( [1]وكذلك يرى بعض الأئمة من أصول الإسلام لإلغاء السلطة الدينية ، فكانوا يقولون " ليس لأحد بعد الله سلطان ، والخليفة ليس موضع عصمة ولا مهبط وحي " بهذه الأصول وتلك الآراء في القياس العقلي والتأويل أينعت حرية العقل والرأي في أكثر عصور الإسلام )
( [2]ومن الواضح أن نظام السلطة الدينية يتعارض مع روح النقد والعقل وكفالة الحرية للمواطنين حيث يرى الدكتور محمد عمارة في كتابة الإسلام والسلطة الدينية "قيام نظام سياسي يتفرد فيه الحاكم بالسلطة من دون الناس ، لأن الزعم بوجود طابع ديني لسلطانه وصبغه دينية لسلطاته سيفتح دائما أمام هذا الحاكم الباب تلو الباب كي يهرب من نطاق المساءلة الشعبية بزعم أن سلطانه الديني يجرد الأمة من حقوقها في التشريع والتنفيذ ومن ثم يلغي حقها في المحاسبة والمساءلة عن وقائع هذه المجالات وواقعها ..فالأمة ، في ظل نظرية الإمامة الشيعية لاحق لها في اختيار الإمام أو مراقبته أو محاسبته أو عزله ، لأنه بسبب من سلطانه الديني ، معصوم ...ولاحق لها في التشريع لأن السماء قد فرغت من التشريع ، جملة وتفصيلا ، ولها وكيلها الذي يدبر ، نيابة عنها ، شئون هذه الميادين !.. )
"[3]فلتعمل الحكومات على استخراج نسل حر يتصف بملكة الإبداع وحينئذ يمكن إنقاذ المدنية التي أخذت في طريقها للتدهور والانحطاط من حيث أجدبت العقول الحرة وندرة الأشخاص المتصفون بصفة الفردية الاستقلالية ."
"[4]ويرى كثيرون من المفكرين أن ما أصاب المسلمين والعرب من تأخر ونكبات واستعمار يعود أولا إلى سد باب الاجتهاد والتمسك بالتقليد الأعمى "
بعد كل هذه الإثباتات والدلائل وغيرها الكثير في القرآن والسنة ، لي أن أسأل لماذا يحاولون أن يكون الدين هو وسيلتهم للسيطرة على الناس ؟! ولماذا يحاولون إضفاء روح التدين على أنفسهم دون غيرهم ؟! لماذا يدعوننا إلى تهميش العقل والتدبر ؟! وهل حرية التفكير ضد الدين وما يصبو إليه الدين ؟!
الأمور كما قلنا سابقا هي اتجار واضح وجلي بالدين ومحاولة للسيطرة على الناس بالدين ، والدين منهم ومن مخالفتهم لأسسه برئ ، لقد أساءوا سمعته وجعلوه أمام الناس والغرب بخاصة دين مسيطر ودين يدعو للعنصرية ، ويدعو للانغلاق العقلي والفكري ،وجعلوا الغرب يدَّعي علينا بما ليس في ديننا فهم يتمثلون لي بالدُّبة التي قتلت صاحبها من فرط الحب فيه مع عدم إعمال عقلها .






















12 يناير, 2008 05:42 م