الإتجار بالدين من أجل السياسة
" [1]وهذه الحال هي التي سهلت في الأمم الغابرة المنحطة دعوى بعض المستبدين .....حتى يقال إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله ، أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله ، ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمه الذين يعينون على ظلم الناس باسم الله ، وأقل ما يعينون به الاستبداد تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية ، تقاوم بعضها بعضا فتتهاتر قوة الأمة ، ويذهب ريحها فيخلو الجو للاستبداد "
على مدار التاريخ الديني كانت ودائما عملية استغلال الدين والاتجار به ونيل السلطة والقوة منه مصاحبة للإنسان بداية منذ حضارات ما قبل التاريخ الميلادي وعلى سبيل المثال في الحضارة الفرعونية فقد استمد الفرعون قوته من الدين حيث أنه كان يمثل ظل الإله في الأرض ثم تكبَّر وأصبح يدعي أنه الإله ، وحدث ذلك على مدار العصور ومع كل الديانات وكلنا يذكر سيطرة الكنيسة الغربية على مقاليد الحكم وكيف كممت الأفواه باسم الدين ،وتخلصت من المعارضين والمفكرين باسم الدين وبسلطانه ،
و ليس الإخوان أول من اتخذوا الدين في الإسلام سلاحا للتحزب ،وسلاحا ضد أعدائهم السياسيين ، و نجد ذلك واضحا جليا في :-
أ- قول عبد الله بن سبأ - رغم ما حوله من شبهات - وهو يخطب في المصريين قائلا " [2]أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق وهذا عليِّ وصيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه ، وابدأوا في الطعن على أمرائكم ، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى هذا الأمر "
ولنمعن سويا في التحليل اللغوي لعبارة " واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى هذا الأمر " أولا هذا أسلوب أمر الغرض منه النصح والإرشاد و الحث بالفعل ( ادعوهم ) والذي يستحثهم عليه هو( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وهذا الفعل له نتيجة تسمى جواب الطلب وهذا هو المبتغى الأصلي للمتحدث وهو ( تستميلوا الناس ) ، فالعبارة واضحة تماما فاستخدام الدين ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )بالنسبة له من أجل وظيفة سياسية محضة .
والخطر هنا متمثل في أنه يمكن للمخلصين ولغير المخلصين استخدام سلاح الدين في صالحه وخاصة أن عبد الله بن سبأ مشكوك - عند البعض - في إسلامه ومتهم بأنه على رأس فتنة الثورة ضد عثمان ولكنه استغل الدين فيما ضر المجتمع المسلم لفترات طويلة .
أ- لقد نشر الأمويون الجبرية ليستخدموها في تطويع الأمة لأن الجبرية تدعو إلى أن أفعال البشر إنما هي من إرادة الله ولا يستطيع أحد أن يقف ضد إرادة الله وهنا توقف كثير من المعارضين لهم عن المعارضة
[3]على أن تصرفاتهم كحكام للمسلين لا يمكن ردها لأن ذلك تحدي لإرادة الله
ومعنى هذا أن الله حكم منذ الأزل بوصول هذه الأسرة – الأمويين - إلى الحكم ولا يجب التدخل في حكم الله الأزلي .
ج- عام 75هـ خطب عبد الملك بن مروان ، على منبر الرسول في المدينة ، بعد قتل عبد الله بن الزبير قائلاً : ([4]والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ) .
وواضح القول هنا أن عبد الملك بن مروان عندما وقف على منبر رسول الله لا يستطيع أحد أن يتوجه إليه بكلمة "اتق الله "فقط ولو على سبيل التذكير أو النصيحة لأنه يرى أنه وبخطبته على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم قد نال التقديس والمنع من التوجه إليه بكلمة اتق الله وهذا ما دفع الزهري فوصفه – أي عبدالملك بن مروان - بأنه أول من نهى عن الأمر بالمعروف.
و على النقيض نجد موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 20 هـ عندما وقف خطيباً على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ، وتحدث عن دور الرعية في صلاح الحاكم وإصلاحه فقاطعه أعرابي قائلاً : والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا ، فانبسطت أسارير عمر ، وتوجه إلى الله حامداً شاكراً ، وذكر كلمته المأثورة المشهورة : الحمد لله الذي جعل في رعية عمر ، من يقومه بحد السيف إذا أخطأ …
وهناك الكثير من الأمثلة وعلى راغبي الاستزادة أن يعودوا لدراسة بعض الفرق والأحزاب الإسلامية وكيف استغلت بعضها بعض العبارات والتصرفات الإسلامية لكي تجمع حولها الأتباع والأشياع ثم بعد ذلك يتصرفون ضد مصلحة الأمة مثل اتباع فرقة الإسماعيلية الذين أرادوا اغتيال صلاح الدين لصالح الفرنجة الصليبيين .
وهناك الكثير من الأمثلة الدالة على محاولة الكثيرين لاستخدام الدين كوسيلة دعائية لمخططاتهم ، وعلى المحترمين والمخلصين من رجال الفكر الديني أن يبينوا خطورة استخدام الدين كورقة سياسية لتجميع وتجييش الناس ،لأن ذلك يفتح المجال أمام الجميع أن يتاجروا بالدين في أمور السياسة أو التجارة أوالاقتصاد.












المستبد يحاول أن يتصف ببعض الصفات التي لا تجوز سوى لله عز وجل.. فهو على الأقل "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون")






09 يناير, 2008 01:35 ص