جماعات التأخر ترفع راية تقدمية الإسلام
من العجيب والملفت لأي باحث أن الجماعات المتأسلمة تنادي بتقدمية الإسلام رغم أن أغلبها تفتقد لمعنى التقدمية وتفتقر لتطبيقها وإن التقدم الحضاري عكس التجمد في حدود زمنية محددة وتصرفات وسلوكيات فردية أو جماعية ثابتة ، ولنلاحظ أن الحيوانات لا تتقدم على مستوى السلوك الحضاري فهي تعيش بنفس النمط المتكرر منذ أن خلقها الله إلى يومنا هذا ، وليس هناك مخلوق على الأرض قد استطاع أن يُخلِّف وراءه حضارة إلا الإنسان بما وهِب من خواص تختلف عن باقي المخلوقات ، فهو يغير أنماط سلوكه طبقا للمتغيرات الحياتية التي يعيش فيها وقد يقلع تماما عن بعض السلوكيات ويؤيد قولنا قوله تعالى " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " وقوله "لقد كرمنا بني آدم على العالمين " فوهب الإنسان خاصية التقدم والإبداع التي حرمت منها كافة المخلوقات ،ووهب إبداع الفكر فلم يكن الإنسان ليخلف وراءه مدنية فقط بل خلف وراءه ملايين من الأفكار والنظريات ، أ ليس عقل الإنسان هو الذي جعل الله سبحانه وتعالى يمنحه حق استخلافه للأرض ؟! أليس عقل الإنسان هو الميزة التي يختلف بها عن مخلوقات الله؟!.، والعلم خاصية تابعة للعقل البشري لا يتمتع بها أي كائن حي آخر وهناك آيات كثيرة في قرأننا تحث على العلم وتهتم بقدره ،والعلم يستخدم في تطويع الطبيعة وقوانينها في خدمة الإنسان قال تعالى "وهو الذي سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " سورة الجاثية الآية 3 ويقول تعالى : " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " سورة النحل الآية 12
فعملية التطور والتقدم مرتبطة بالإنسان فهو يستخدم كل معارفه وعلومه ويطوعها لخدمته وجنسه البشري وإذا توقفت عملية المعرفة ، وتوقف توظيفها في خدمة الإنسان وفي خدمة تطوير سلوكه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكافة نشاطاته الإنسانية لأصبح متجمدا متخلفا عن التطور .
ويقول الأستاذ محمد مصطفى البسيوني في مجلة الأزهر عدد ديسمبر2006 عن المسلمين الأوائل" فأنشأوا العلوم التي تصطنع الحواس مثل (السمع والبصر)في الملاحظة والتجريب وتستحث العقل والفؤاد في استنتاج القوانين التي تفسر هذه الظواهر ،وذلك تعبدا للمعبود ، "
وإذا نظرنا إلى السلفيين والأصوليين فهم يحاولون استيقاف الزمن عند مرحلة زمنية محددة سواء على المستوى الفكري أو السلوكي المرتبطين بحياة الإنسان ، وفي هذا تعارض واضح مع مقولة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وفي محاولة إيقاف الزمن عند مرحلة محددة ، يكون ذلك تعارضا مع هذه المقولة بل يعد ذلك تخلفا عن ركب التقدم ، وعن نعمة التطور التي وهبها الله للإنسان فلن يكون الإسلام صالحا لكل زمان ولكل مكان إلا إذا اتبع المسلمون طرق إعمال العقل واستغلال المعارف بكافة ألوانها في خدمة الإنسان ، وإذا لم يفق المسلمون في هذه المرحلة التاريخية الفارقة في تاريخ الإنسان سنظل هكذا في حالة التردي والتخلف بل ستزداد حياتنا سوءاً ،
وأجدني أنظر إلى القصص القرآني معتبرا بعد التسليم بصدق القصص الذي طُرِح علينا في كتابه العزيز ولنا أن نسأل في سورة الكهف عن أصحاب الكهف لماذا أبقاهم الله أحياء كل هذا العمر في كهفهم ، ثم أيقظهم ثم قبض أرواحهم بسرعة ؟!ألم يكن في بقائهم فرصة أكبر لتعريف الناس بهم ؟! وبتصحيح بعض المفاهيم في العصر التالي لهم ؟!ولكن هل كان الله يريد أن يعودوا بالناس إلى الخلف ؟!
أعتقد - والله أعلم - أنهم ماتوا لأنهم جاءوا للتذكرة فقط وللعظة ولإثبات عظمة الله وأعتقد – والله أعلم - أن موتهم هو الوضع الحتمي المفروض والذي كتبه الله عليهم رحمة بهم ، ورحمة بمن عاصروهم من الجيل الجديد لأن في بقائهم أحياء يكون لهم وضعان :- الأول :- أن يفتن الناس بهم ويقدسونهم فيعودوا بالناس إلى الوراء وإلى عصرهم السابق أي يتبع الناس السلف في حياتهم وهذا مناف لسنة الخلق ولسنة التطور.الثاني :- أن يندمجوا مع المجتمع الجديد وفي هذا استحالة أيضا لأن الفارق الزمني والمعرفي شاسع بين العصرين فيستحيل اندماجهم مع المجتمع الجديد.لذلك فضل الله وهو الخبير العليم لهم الموت وخاصة بعد أن أدوا بمعجزتهم المبتغى منها ، فكيف يريد المتأسلمون بنا أن نعود إلى ألف وأربعمائة عام إلى الوراء متناسين تاريخ التطور البشري والحضاري ؟!حقا إن الأمر يدعو إلى الدهشة يدعو إلى التفكير في مقاصد هذه الجماعات وفي غاياتها وإن سلمت النية فكيف نُحكِِّم علينا وفينا من يريد أن يقف بنا في مرحلة زمنية ثابتة ويتناسى التطور البشري ، أعتقد أن شهوة الحكم أو الاقتراب من الجاه والمال والسلطان هي المحرك الأساسي في رغبة البعض من هذه الجماعات بالعودة إلى الوراء .بالإضافة إلى وجود جانب نفسي سيكولوجي حيث أننا نعيش عصر الهزائم المتلاحقة ، وفشلت قوميتنا العربية في تحقيق تماسكنا وهنا تنبع فكرة الرجوع إلى عصور تقدمنا في الماضي لنجد فيها الملاذ والمهرب كتعويض عن هذه الحالة المتردية من الاستسلام والخنوع والتبعية ، ولكن تأخذنا خطابات المتأسلمين لمناطق طقسية فقط ، وشكلانية حتى نرضي أنفسنا بهذه التبعية الشكلانية لهؤلاء العظماء من أسلافنا. ولنا أن ننظر لتاريخ أمتنا العظيم لاستنهاض شباب الأمة وحثهم على التغيير وذلك بإلقاء الضوء على الكثير من الشخصيات التي صنعت حضارة العرب و الإسلام وأن ننظر إلى المفكرين الذين ظلمتهم السلطة الدينية ونراجع أفكارهم فلا حظر على الأفكار مطلقا سواء كانت تسير وفق معتقداتنا أو تخالفها والمعيار الحقيقي لها هو عدم تنافرها مع الأسس الدينية وصلاحيتها لتقدمنا ، ولنا ونحن نحاول إبراز عظمة السابقين أن نضع في الاعتبار معطيات المجتمعات في لحظتنا الآنية بكل ما تحوي من متغيرات تختلف اختلافا جذريا عن المعطيات التي كان يعيش في ظلالها هذا السلف المتقدم المتطور في عصره ، ولنا أن نتيقن من أن الدولة الإسلامية المتقدمة عند الأسلاف قد بُنيت على حرية الإبداع وحرية الفكر ولكن المتأسلمين يتجافون الحرية الفكرية تماما ويعتبرونها خروجا عن الدين ، وكيف يكون السلف قدوة لنا بعد أن قدسناهم ؟! وبعد أن أخذنا منهم كل قول أو فعل على إنه مقدس ؟! ، ولم نعمل عقولنا مع المتغيرات كما فعل عظماء الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفي تقديس السلف مخالفة شرعية كبيرة لأنه يخالف من يستحق التقديس فقط وهو الله سبحانه وتعالى وأيضا يُعد ضياع لما أبدعوا لأن التقديس يفرغهم من دورهم الإنساني ويجعل منهم أنبياء لا أخطاء لديهم ويجعل منهم بشرا بلا إبداع ويعرقل تقديسهم مسيرتنا النهضوية ، فعلينا أن نأخذ من الأسلاف - شاكرين لهم اجتهادا تهم – ما يتناسب مع حركة التطور ونتجافى كل ما هو معرقل لمسيرة التقدم بسبب عدم تناغمها مع الواقع المعاش اليوم ، ولن يحدث التقدم إلا بنقد كل ما هو إنساني بشري، الكل يخضع للنقد بلا استثناء مادام يقدم فكرا إنسانياً سواء كان فكراً إنسانياً عاماأو فكراً دينياً ، أما الدين لا يخضع للنقد فالدين منهاج سواء غيبي أو تشريعي بمعنى ألا يحق لنا أن ننتقد أن للمرأة نصف حظ الرجل في الميراث فهذا أمر إلهي واضح جلي لا دور للعلماء أو المفسرين فيه وهذا المقصود به الجانب التشريعي ، وأيضا لا يحق لنا أن نشكك أو ننتقد ما جاء بشكل غيبي مثل الإسراء والمعراج ، وقصة أصحاب الكهف وغيرها من الجوانب الغيبية ، ولابد وأن نعرف إنما جاء الدين - أي دين - لمساعدة الإنسان على بناء مجتمعه بوضع الأسس العريضة في المعاملات وتنظيم المجتمعات البشرية وأما العبادات ففصلها الدين عن طريق القرآن أو السنة النبوية ، ولن نجد اختلافا أو بونا واسعا بين الفقهاء المذهبيين بعضهم البعض ولم يُحدِث هذا الاختلاف تناحرا بين المسلمين مثل الشافعية والمالكية وذلك فيما يخص أمر العبادات و الشعائروالمعاملات ، لأن الدين وضحها جملة وتفصيلا ، أما تنظيم المجتمعات فَوضِعت الأسس - العدل والحرية والمساواة - على أن تساهم العقول البشرية التي هي من صنع الله في تغيير هذه النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية طبقا للأسس الثلاثة - العدل الحرية المساواة – على أن تلائم التقدم البشري في أي حقبة زمنية ، ودليلي على ذلك فهمي لبعض القضايا الإسلامية منها على سبيل المثال لا الحصر أن الإسلام لم يحرم العبودية تحريما قاطعا لأن تحريمها في ذلك العصر كان سيؤدي إلى فوضى في النظام الاجتماعي القائم ، ولكن عندما وجدت البشرية أن العبودية تخالف مبدأ المساواة والعدل والحرية قامت بتحريمها بقوانين وضعية ولم يحتج المثقفون الدينيون على تحريمها لأنه من التخلف أن يظل الإنسان يستعبد أخاه الإنسان ، وأيضا لم تُحرَّم الخمر في البداية بل منع الله المسلمين من أداء الصلاة وهم سكارى " ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " ثم حرمت الخمر بعد ذلك بعد أن تمكن الإيمان من المجتمع المسلم وجاءت آية تنسخ آية أخرى ، قياسا على ذلك فلابد وأن نضع نصب أعيننا ونحن نشرع أن نغير التشريعات التي لم يرد فيها نص أو يحتمل التأويل أو يحتمل الآراء المختلفة بما يتلاءم مع المتغيرات التي نعيش فيها ، لأن ذلك هو الذي يجعل الدين يأخذ حقه في إثبات أنه متطور وصالح لكل زمان ومكان ، فإذا نظرنا إلى بعض الشكلانيات التي تهتم بها جماعات التأسلم ونجدها تفرق بين الناس بسبب هذه الجماعة وغيرها ، فماذا يحدث لتطورنا أو تخلفنا لو كنت حليق اللحية أو ملتحيا؟!وماذا يحدث إذا لم نستخدم السواك ؟! وخاصة أن النبي لم يأمر باستخدامه في كل صلاة ويجد أن في ذلك مشقة على المسلمين حيث قال " لو لم أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك في كل صلاة " ولنا أن نلاحظ أن الدين أهتم بالنظافة باستخدام السواك أو استخدام غيره إذن سنة النبي الفعلية ليست شريطة على كل مسلم أن يقوم بها وليس هناك جناية على من يتكاسل عنها ، كان النبي ينام على جنبه الأيمن فماذا لو نام شخص على جانبه الأيسر ؟! هل ذلك الذي سيقدم أو سيؤخر المجتمع المسلم ؟! على العلماء إعادة التفكير فيما يطرح على الناس وأن يركزوا خطابهم فيما ينفع المجتمع المسلم ، وفيما يجعل مجتمعنا يسير نحو التقدم . إن كل المجتمعات المتحضرة تعيب علينا تخلفنا ويرجعون بذلك على الدين كسبب رئيسي والدين برئ من ذلك لكن من أدعوا أنهم رجال دين نظروا إلى الدين بعيون منغلقة وآفاق ضيقة ومنهم من وظف الدين في خدمة الحكام على مدار تاريخنا نجد هذه الظاهرة ، ومنهم من وظفه لصالح حزب سياسي يريد أن ينقض على السلطة ولا يتحمل نتائج تكالبهم على السلطة إلا الدين نفسه .























27 ديسمبر, 2007 03:33 ص