هذه هي مقدمة الكتاب الذي عرضت مفتتحه عليكم وأرجو أن تشاركوني الرأي والمشورة وخاصة أنني الآن أنهي الخطوط الأخيرة في الكتاب
إن الشيخ الذي يملأ لسانه بالله و تسبيحاته، ويملأ تصوراته بالخوف منه ومن جحيمه، ثم يملأ أعضائه وشهواته بالكذب والخيانة والصغائر وعبادة الأقوياء، لهو أكفر من أيِّ زنديق في هذا العالم. "[1]
لقد عاد انتشار الجماعات المتأسلمة وإعادة ظهورها على الساحة السياسية في مصر والعالم العربي في فترة ما قبيل الثمانينيات التي أراد السادات أن يضرب بها القوى السياسية التي تعوق طبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية وأعوانها وحلفائها وارتمائه في أحضان الاقتصاد الحر الذي يتيح لرأس المال بكل أصنافه المشروعة والغير مشروعة ، الشريفة والغير شريفة التفشي والسيطرة على الاقتصاد الوطني وسار خطوات تجاه جذب الاستثمار الأجنبي الذي كان وجوده وبالا وكارثة على مجتمعاتنا العربية وخاصة المجتمع المصري وما يعانيه المواطنون الآن من مشكلات اجتماعية وسياسية إنما يرجع لنظام السوق الحر والاقتصاد المفتوح وظهرت في ظلاله العيوب الاجتماعية مثل السمسرة وأصبح غالبية الناس الآن لا يجدون حرجا لوصفهم بالسماسرة بل أصبح هناك مكاتب مرخصة للسمسرة بالإضافة لتفشي البطالة وعدم وجود علاج بالمستشفيات العامة ، و كم من أطعمة فاسدة ومُسرطَنة قد قُدِمت لهذا الشعب وعلى حسابه وبعائد تعبه وعرقه، وهناك الكثير من المشكلات ليس المجال هنا لحصرها وتتبعها، ولكن نستخلص في نهاية الأمر أن هذه السياسات الاقتصادية وقوانين الاستثمار المجحفة لحق الشعب والتي تيسر الربح الذي يتجاوز التخيلات لكل من يستثمر أو يحتكر السلع أو يُسمسِر في مقدرات هذا الشعب وأصوله الاقتصادية،كل ما سبق وغيره أتى على الشعب المصري والعربي بالويلات وانتشار الفساد والرشاوى والمحسوبية ،وكان اليساريون قبل فترة الثمانينيات هم المسيطرون وكوادرهم على الشارع المصري مما دفع السادات الذي لم يجد بديلا أمام وعيهم السياسي والنضالي والاجتماعي والاقتصادي إلا أن يختار بديلا سياسيا يُغيِّب الشعب المصري ويأخذه بعيدا عن أنظار مخططاته الأمريكية ومخططاته الانفتاحية التي نشرت الفساد والتخلف في مجتمعاتنا وساعده في ذلك بعض الدول العربية على رأسها هذه الدول المتخمة بالنفط والتي تريد أن تسيطر على الغالبية العظمى من دخل هذا النفط لها ولأتباعها فروجوا للخلافة وللعودة إلى الوراء متمثلين حكم السابقين في مظهره وليس في جوهرها حتى يتم لهم ما أردوا من سيطرة وقمع أي أصوات متفتحة أو مستنيرة حتى تظل شعوبهم في هذا التيه .
ويقول عبد الله القصيمي " إن من أسوأ ما في المتديِّنين أنهم يتسامحون مع الفاسدين ولا يتسامحون مع المفكرين "
وبدأ الخطاب الديني تكفيريا لكل طوائف المعارضين له ،و للسلطة أحيانا ،وعلى المجتمع كله أحيانا، وركز اتهامه بالتكفير على اليسار والقوميين وغيرهم من التقدميين والعلمانيين وأصحاب الفكر الديني المستنير، فاتهموا الجميع بالكفر ونادوا بالعودة إلى المجتمع الإسلامي في العقدين الأولين من القرن الأول الهجري ، وكأن الزمن وقف عند هذا التاريخ وكأن العقل الإنساني ثابت في تطوره عند هذه الحقبة الزمنية متناسين أن هناك من الأحداث التي حدثت في تلك الحقبة خاضعة للنقد وذلك تحديدا بعد لقاء النبي صلى الله عليه وسلم لربه ومنذ أن بدأ الخليفة أبو بكر رضي الله عنه حكم المجتمع الجديد بشكل بشري خالص مرورا بثورة الثائرين على عثمان رضي الله عنه واستشهاده ، وانتهاءً بالخلافة العثمانية ، بالإضافة إلى أنهم – المتأسلمين - بدأوا يحقرون من دور المرأة كشريك فعَّال مع الرجل في بناء المجتمع ،هذه المرأة التي وجدناها يوما تسقي حقلها " بالشادوف وبالطانبور" وكانت ومازالت هي العمود الفقري للأسرة المصرية جنبا إلى جنب مع الرجل ، وأيضا اعتبروا أن المرأة عورة لا يجب أن تخرج للعمل وللحياة ، وكأن السادات كان يمهد الطريق بذلك لإخفاء البطالة ولو بصورة مؤقتة لنصف المجتمع حتى تُتاح الفرصة أمام الرجال فقط للعمل ، وهذا إهدار متعمد لنصف المجتمع، وكان هذا مسكنا ومُدارياً لظاهرة البطالة لفترة من الزمن وسرعان ما تحولت البطالة لتنهش لحم الرجال والنساء على السواء بالإضافة لظهور بعض العبارات التي تأخذ الناس بعيدا عن التفكير المُمنهج والعلمي ، وعندما تفشت ظاهرة البطالة في المجتمع وتدهور الاقتصاد المصري تحولت بعض هذه الجماعات إلي جماعات جهادية وأصبح السلاح هو لغتهم الوحيدة للوصول إلى السلطة ، كل ذلك يتم تحت شعار الدولة الجديد ( دولة العلم والإيمان ) الذي حاول السادات إخفاء وستر العيوب التي نجمت في ذلك الوقت وأيضا ليضرب المرحلة الناصرية بوعيها المتصدي له ، وليتناسب هذا الشعار ( دولة العلم والإيمان ) مع طبيعة المرحلة الجديدة التي أراد أن يوجه الشعب المصري إليها ؟.
ولو لاحظنا في مجتمعاتنا كلما انتشرت الجماعات المتأسلمة كلما ازدادت هوة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، والهبوط في مستوى المعيشة ، وذلك بسبب غياب الوعي الفكري والسياسي ، وعلينا أن نسأل أنفسنا بعد أن نقرأ هذه الآية معا قال تعالى في محكم التنزيل " لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء" فهل نزلت البركات على مجتمعنا رغم ازدياد المتأسلمين في واقعنا ؟ ! أعتقد أن الإجابة بالنفي فكل أسرنا تعاني من الفقر وضيق الحال وبالطبع ودون أي تشكيك في قوله تعالى يرجع السبب في البشر وأن إخلاص هؤلاء البشر لله ليس خالصا ، بل تدخلت عوامل دنيوية في نواياهم منها الوصول للحكم فلم تخلص النية لله لذلك لم تنفتح عليهم البركات من السماء التي وعدنا الله إياها شريطة الإيمان والتقوى .
بل ويستخدم الخطاب الديني أحيانا غير ما يتميز به من تكفير ، وتغييب الناس عن حقوقهم وعن التوحد ، والتصاف في صف واحد تصديا للمشكلات الطارئة والمزمنة لهذا الوطن ، فيستخدم للفت أنظار الناس إليه وانشغالهم ببعض المقولات والفتاوى حتى تمرر الحكومات بعض القوانين أو تشغل الناس عن بعض الأحداث التي تضر بمصلحة المواطن والوطن ،مثل اللغط الذي دار حول فتوى إرضاع الكبار، مما جعل الناس في غياب تام عن مشكلاتهم اليومية رغم هذه المعاناة التي يعيشونها يوميا بالإضافة إلى العمليات التخريبية التي قامت بها بعض الجماعات الجهادية بإيعاز سلطوي أحيانا وبتدخل بعض عناصر التخابر لصالح بعض الدول التي لها مصلحة في قهر شخصية الإنسان المصري والعربي واستغلاله، مما دفع السلطة في مصر إلى الاستمرار في تجديد قانون الطوارئ المقيد للحريات سيئ السمعة واستغلت السلطة عنف هذه الجماعات في رعب وتخويف وتهديد المواطن المصري العادي من الانخراط في العمل السياسي بكل أشكاله رغم أن هذه الجماعات الجهادية كانت تعمل على مرأى ومسمع من السلطة وأجهزتها الأمنية ، ودفع فاتورة هذه الأعمال الإجرامية الشعب المصري نفسه الذي انزوى على نفسه ولم يشارك في الحياة السياسية ومن شارك في الحياة السياسية آثر السلامة مرتميا في أحضان الحزب الحاكم حتى لا تناله تهمة الإرهاب ، وفي الوقت نفسه استغلت السلطة تلك الأحداث في تضييق الخناق على الأحزاب السياسية معرقلة عملها عن طريق زرع بعض عناصرها داخل الأحزاب لتثير الفرقة بين عناصر الحزب الواحد حتى تتشتت جهود الأحزاب السياسية ، وتصرفهم بعيدا عن القضايا الوطنية المهمة والملحة ، أو تلاحق بعض العناصر النشطة من هذه الأحزاب أمنيا ، وقمعت كل الشرفاء ،كل ذلك متخذة سلاح قانون الطوارئ ومكافحة الإرهاب العصا التي تضرب بها الفكر الحر قبل أن تضرب بها الأجساد ، وممن نالهم الضرر أيضا بعض عناصر الأمن من وزارة الداخلية ، والتي تقتصر وظيفتهم على تتبع الأوامر العليا في مواجهة سلاح هذه الجماعات والحفاظ على أمن السلطة ورجالها ، فقد قُتل الكثير من عناصر الشرطة المصرية على أيدي هذه الجماعات وكأن الصراع كان دائراً مع وزارة الداخلية ونحن نرفض ذلك رغم التجاوزات التي قامت بها بعض عناصر أجهزة الأمن من اعتقالات عشوائية أحياناً ومن تعذيب، لأن رجل الشرطة في نهاية هذا الأمر يدفع فاتورة الصراع بين الحكومة وبين من يريدون أن يحكموا من المتأسلمين فهو ضحية كلاهما معا .
وذلك إنما تم في ظل وجود الجماعات المتأسلمة بفصائلها وخاصة الفصائل الجهادية منها .
وبذلك تم هدم الشخصية المصرية وهدم طموحها في ممارسة حقها السياسي وفي المشاركة الحقيقية من أجل التغيير وأُحبِط الشباب مما دفعهم لاختيار أقل هذه الطوائف ارتباطا بالعمل السياسي مثل جماعات التبليغ ، وهم يخرجون من قراهم ومدنهم ليبلغوا الناس في المدن الأخرى مضيعين وقتهم ومقدراتهم المالية ويتركون أسرهم متناسين أن في نفس قراهم ومدنهم أناس مثل هؤلاء الناس التي يرغبون في هدايتهم ،لكنهم أذكياء لأنهم يعرفون أنهم مكشوفون في مجتمعهم المحلي ولا يستطيعون التأثير في أغلب المحيطين بهم بل قد يصل الأمر إلى أن بعضهم لا يستطيع التأثير على أولاده أو أخوته فهم يعرفون تماما أن مزمار الحي لا يطرب ، وأن أقرباءهم وجيرانهم يعرفون عيوبهم وخبراء بأفعالهم فهم يفضلون الخروج إلى مجتمعات لا تعرفهم ولا تعرف تصرفاتهم ويبدون أمام الغرباء وكأنهم ملائكة الأرض فينخدع بهم بعض طيبي القلوب دون تفكير ، ولدينا من النماذج الكثير في مجتمعاتنا المحلية وأعتقد أن القارئ سيتمثل بعض منهم وهو يقرأ هذا العمل المتواضع.
"[2] والدين الحي الحق هو ذلك المتحقق في الشعور المتجدد المتطور للأمة المؤمنة به "
عزيزي القارئ للدين دور عظيم في احترام الفكر الإنساني، وفي احترام العقل الإنساني الذي كرم الله به الإنسان عن باقي المخلوقات ، والدين كان سبب نهضة الأمم عندما أخلص المخلصون له دونما إتجار به ودونما استغلاله في الصراعات على مناصب أو على سلطة والمتتبع لتاريخ الفكر الإسلامي يجد أن أشد العطائين لهذا الدين هم الذين لم ينتموا لفكر سياسي أو حزب سياسي ديني أو حزب غير ديني ، ولم يكونوا محاولين إخضاع المقولات الدينية للترويج لهذا الحزب السياسي ، أو الطائفة السياسية المعينة ، وقد نال الدين ما نال من سوء عندما استغله البعض في معاركه على سلطان الدنيا وفسروا وأولوا بل وتقوَّلوا بما لم يحدث من أجل إقرار مذهب أو تضييق الخناق على مذهب آخر ، ومن يريد أن يتعرف على ذلك يعاود قراءة التاريخ العربي ما بعد الإسلام سيجد ذلك واضحا جليا إذا أمعن النظر وتسلح بعمق التفكير الناقد وتسلح بمنهجية العلم والتاريخ الجدلي كقوانين كاشفة لحركة التاريخ ومفسرة له ، معتبرا أن النقد للشخصيات الدينية ليس نقدا للدين ذاته .
ويقول الدكتور فرج فودة "أساءوا للإسلام ذاته حين ادعوا عليه ما ليس فيه وأظهروا منه ما ينفر القلوب ، وأعلنوا باسمه ما يسئ إليه ، وأدانوه بالتعصب وهو دين السماحة ، واتهموه بالجمود وهو دين التطور ، ووصموه بالانغلاق وهو دين التفتح على العلم و العالم ، وعكسوا من أمراضهم النفسية عليه ما يرفضه كدين ، وما نرفضه كمسلمين ."[3]
إنما هدفت من هذا العمل الصغير إلقاء الضوء على بعض الظواهر التي تنتشر في مجتمعاتنا ، وتتسبب في الإضرار بالدين ، وبالمواطنين على السواء وأدعو المفكرين أن يتكاتفوا لإنجاز مشروعنا النهضوي لننقذ شعوب هذه الأمة من مرقدها وتخلفها ومواتها ، ونتجه نحو الحضارة .
وعلى الله قصد السبيل
سبتمبر 2007













07 اكتوبر, 2007 04:09 ص